اعتبرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية في افتتاحيتها أن التعامل الإيراني مع المجتمع الدولي بشأن ملفها النووي قد اكتسب شيئا من الإيجابية مؤخرا بقبولها العودة إلى المفاوضات.
وقالت الصحيفة إن الرسالة الأخيرة من كبير المفاوضين الإيرانيين قد جاءت خالية من المناورات السياسية الغريبة على العرف السياسي والدبلوماسي. ولكن الصحيفة تساءلت إن كانت إيران تسعى من وراء هذا التغيير إلى شراء الوقت، وهو أمر ليس بغريب عليها.
وأشارت الصحيفة إلى أنه في الوقت الذي ترسل إيران إشارات إيجابية، تقول المعلومات الواردة من الداخل الإيراني إن هناك تقدما يمثل نقطة تحول في المشروع النووي الإيراني تم التوصل إليه في مرفق نووي تحت الأرض قرب مدينة قم الإيرانية.
من جهة أخرى، سُجل فشل في مهمة وفد المنظمة الدولية للطاقة الذرية، وقد كان المراقبون ينظرون إلى مهمة الوفد على أنها اختبار لجدية إيران في حلّ الأزمة مع الغرب، وهو مؤشر على أن المرشد الأعلى علي خامنئي لا يزال غير راغب في التوصل إلى تسوية مع الغرب.
| الجنوح الإيراني نحو السلم والرغبة في إحياء المفاوضات ينبع من شعور النظام الإيراني بوقع العقوبات التي أضرت بمبيعات طهران النفطية وآذت عملتها الوطنية ريتشارد هاس ومايكل ليفي |
وتطرقت الصحيفة إلى المقترحات الروسية الأخيرة، التي تعني عمليا تخفيف العقوبات التي فرضها مجلس الأمن على إيران مقابل وقف إيران التخصيب العالي فقط، وهو أمر يعتبر منحا للقيادة الإيرانية فسحة للتحرك والتخلص من الضغط، بحسب الصحيفة، الأمر الذي دفع مجموعة من النواب الأميركيين إلى توجيه رسالة للرئيس الأميركي باراك أوباما بعدم تغيير أي من بنود العقوبات على إيران إلا في حالة وقفها التام وغير المشروط لكافة عمليات تخصيب اليورانيوم.
وفي صحيفة وول ستريت جورنال، كتب كل من ريتشارد هاس ومايكل ليفي العضوين في مجلس العلاقات الخارجية- وهو مركز أبحاث أميركي- حول السبيل لكبح جماح الطموح النووي الإيراني.
ويرى الكاتبان أن الجنوح الإيراني نحو السلم والرغبة في إحياء المفاوضات ينبع من شعور النظام الإيراني بوقع العقوبات التي أضرت بمبيعات طهران النفطية وآذت عملتها الوطنية، وبالتالي انعكس كل ذلك على مشتريات إيران ووارداتها. إلى جانب ذلك، فإن رغبة إيران في إحياء المفاوضات يعكس قلق قياداتها من احتمال تعرض بلادهم لضربة عسكرية ما.
ولكن من جهة أخرى، أشار الكاتبان إلى مصلحة الولايات المتحدة في التوصل إلى حل تفاوضي مع طهران، حيث رأيا أن العقوبات مهما صعّبت الوضع في إيران فإنها لن تحسم الوضع بشكل نهائي. ويعتقد الكاتبان هاس وليفي أن توجيه ضربة عسكرية لإيران لن يكون حلا جذريا لأن إيران ستعيد بناء كل شيء ولو بعد حين، وكذلك سيتم البناء بحيث يتم تلافي الأخطاء السابقة وستكون المنشآت الجديدة عصية أكثر.
وأشار الكاتبان إلى خيار آخر أمام العالم والغرب وهو التعايش مع إيران نووية ولو بشكل محدود، ولكنهما حذرا من أن ذلك ستكون له آثار سلبية على المنطقة، حيث العداوة بين إيران وإسرائيل ورغبة كل منهما في مباغتة الأخرى بتوجيه ضربة استباقية لها، كما أن هذا السيناريو سيطلق سباق تسلح في المنطقة.
| إن جعل حيثيات أي اتفاق علنية سيمكّن الشعب الإيراني من التأكد من أن العالم لا يسعى إلى إذلاله بل على العكس يقدم له شيئا يضمن العدل لو وافق حكام إيران عليه ريتشارد هاس ومايكل ليفي |
ويقترح الكاتبان أن يكون التعامل مع إيران بشكل علني، وأن يتم نشر حيثيات أي اتفاق أو اقتراح مقدم للقيادة الإيرانية بشأن الملف النووي على الملأ، ويبرر الكاتبان ذلك بالقول إن الكثير من الإيرانيين يرون في المشروع النووي بأنه رمز لعزة الأمة الإيرانية وضمان لعدم استهداف بلدهم عسكريا بهدف الإطاحة بالنظام.
من جهة أخرى، يتحمس بعض القادة الإيرانيين للتوصل إلى اتفاق بشأن الملف النووي، بينما لا يزال البعض معارضا، ذلك أن جعل حيثيات أي اتفاق علنية سيمكّن الشعب الإيراني من التأكد من أن العالم لا يسعى إلى إذلاله بل على العكس يقدم له شيئا يضمن العدل لو وافق حكام إيران عليه. إن هذا السبيل سيؤدي إلى ازدياد الضغط على القيادة السياسية الإيرانية لقبول التسوية، والتخلص من عبء العقوبات وتجنب التعرض لضربة عسكرية.
ويختم الكاتبان بالقول إنه حتى لو فشل الضغط الشعبي في حمل قادة إيران على قبول التسوية، فسيظل هناك سبب وجيه لعقد المفاوضات. وقبل أن يتخذ قرار بتبني خيارات قد تكون مكلفة، من المفيد أن يعلن للرأي العام الداخلي والدولي أن سياسة معتدلة قد طرحت، وأن أي تبعات إنسانية أو سياسية أو عسكرية أو اقتصادية ستنتج عن نشوب نزاع مسلح فإن مسؤوليته تقع على عاتق إيران.